حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

281

التمييز

صاحب الجماعة يدرك أرشه « 1 » في الخدشة والشجّة وصاحب الفرقة يذهب حقه في النفس والحرمة وغافل الجماعة لا يضرّه غفلته لكثرة من يحفظه ومتيقّظ الفرقة لا ينفعه تيقظه لكثرة من يطلبه ، شعر « 2 » ( السريع ) لو كان لي بدّ من النّاس قطعت حبل النّاس بالياس / 133 ب / العزّ في العزلة لكنّه لا بدّ للنّاس من النّاس شعر ، آخر ( الطويل ) وبالنّاس عاش النّاس قدما ولم يزل من النّاس مرغوب إليه وراغب ومن اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا عن جميع الأفكار إلّا ذكر ربّه ، وخاليا عن جميع المراد إلّا مراد ربّه ، وخاليا عن مطالبة النفس جميع الأسباب . فإن لم يكن بهذه الصّفة فإنّ خلوته توقعه في بلية أو فتنة ، وسوّل الشيطان له أنواع الطّغيان ، وامتلأ من الغرور والمحال وظنّ أنه على حسن حال . وقد دخلت الفتنة على أقوام دخلوا الخلوة بغير شروطها واستحسنوا نفوسهم بالعزلة عن النّاس ، ومنعوا الشواغل من الحرّاس . جمع الهمّ له تأثير في صفاء الباطن مطلقا ، فما كان من ذلك بحسن سياسة الشرع وصدق المتابعة للسنّة انتج تنوير القلب والزّهد في الدّنيا وحلاوة الذكر . وما كان من ذلك من غير متابعة السنّة وسياسة الشرع فلا يزال المقبل عليه يستغويه حتى يظنّ أنه ظفر بالمقصود . وما فتح على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده وغروره / 134 أ / وحماقته . وقال أبو حامد الغزالي : اعلم أنّ المقاصد الدّينية والدّنياوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير ولا يحصل ذلك إلّا بالمخالطة فكلّ ما يستفاد بها يفوت بالعزلة ، وهي التعلم والتعليم والتأدّب والتأديب والاستئناس ونيل الثواب ، وإنالة الثواب في القيام بالحقوق واعتياد التواضع واستفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والوقائع والاعتبار بها ، والنفع والانتفاع فإنّها من فوائد المخالطة وعوائد المعاشرة .

--> ( 1 ) الأرش : دية الجراحات ، الشجة : الخدش ، لسان العرب ( أرش ، شجج ) . ( 2 ) البيتان لابن فضل الله العمري مفتاح السعادة 1 / 117 .